ثمة جمله من الصعوبات والعوائق تعترض سبيل اكتشاف جرائم الحاسب الآلي لعدة أسباب تتعلق بخصوصية هذه الجرائم العصرية فمنها ما يعود إلى قدرة الجاني  في طمس معالم جريمته , وذلك بتدمير الأداة التي من الممكن أن تتخلف عنها , ومنها ما يعود إلى عدم تخلف الأدلة المادية أصلا كالتي تتخلف في الجرائم التقليدية, ومنها ما يعود إلى طبيعة المحل الذي ترد علية كونها معلومات مرمزة  ومشفرة , ومنها ما يعود إلى قلة خبرة أجهزة العدالة الجنائية التي تتعامل مع هذه الجرائم  أو منها ما يعود إلى طبيعة النظام الذي يعمل به الحاسب الآلي , ومنها أيضا ما يعود إلى الجهات التي تتعرض لمثل هذه الاعتداءات والتي غالبا ما تكون مؤسسات وشركات تجارية أو جهات مالية ومصرفية تؤثر الصمت على الإبلاغ عن الجريمة خوفا من أن تهز ثقة عملاءها. وسوف أقوم بتسليط الضوء على بعض هذه الصعوبات والأسباب في مقالتي هذه للتوعية بخصوصية هذا النوع من الجرائم وضرورة التوجه الجاد للتصدي لها ومكافحتها .

من الأسباب الأساسية التي تقف وراء صعوبة اكتشاف جرائم الحاسب الآلي  هي قدرة الجاني على تدمير الأدلة في مثل هذه الجرائم ,ومما يميز جرائم الحاسب الآلي  هي قدرة الجاني على تدمير الأدلة  بوقت قياسي قد لا يستغرق أكثر  من ثواني وقد لا تتجاوز بضعة دقائق , الأمر الذي لا يمكن على ضوئه  القول بان جرائم الحاسب الآلي شأنها شأن بقية الجرائم ذات الأدلة المادية , وعموما ففي كل الجرائم يحاول الجاني جاهدا محو كل آثار جريمته , بل وغالبا ما يلجا إلى ذلك , فهو يحاول عندما يقتل أو يسرق ألا يترك في مسرح الجريمة أي دليل مادي, فما بالك بجرائم الحاسوب التي قد لا يحتاج الجاني فيها لأكثر من ضغطة زر لمسح كل آثار الجريمة الأمر الذي قد يفقد هذه الحجة أهميتها.

ومن الوقائع العملية التي تؤيد ذلك ما قام به احد الجناة بإدخال تعديل على نظام الحاسب . حيث ضمنه , وفي نطاق التعليمات الأمنية لحماية ما فيه من معلومات مخزنة , برنامج مهمته محو هذه التعليمات بشكل تلقائي إذا ما تم اختراق نظام المعلومات من قبل شخص غير مرخص له , وكذلك  ما قامت به عصابة إيطالية محترفة اختراق أنظمة الحاسب الآلي , وذلك من خلال تصميمها جهاز يمحو تلقائياً جميع أثار أي خطوات وتعاملات سابقة استخدمت في اختراق نظم لحاسبات خاصة بشركات معينة , وفي جميع أنحاء العالم.

من ضمن العوائق أيضا أمام اكتشاف جرائم الحاسوب هي قلة خبرات السلطات المسئولة عن ضبط هذه الجرائم والتحقيق فيها فمن المعلوم أن متطلبات العدالة الجنائية تفرض على الأجهزة الحكومية بشكل عام والأجهزة المسئولة عن تتبع الجرائم وضبطها والتحقيق فيها بشكل خاص أن تتحمل مسؤوليتها نحو اكتشاف المجرمين وضبطهم ومحاكمتهم وهذا يقتضي بالضرورة توفير الإمكانيات التقنية اللازمة لها سواء في عملية التحقيق والكشف عن جرائم الحاسوب أو في عملية المحاكمة والاستدلال بأدلة الجريمة لا سيما بعد أن تطورت ليس فقط أساليب الكشف عن الجرائم , إنما أيضا تطورت أساليب ارتكابها وظهور أنماط جديدة من الجرائم ما كانت التشريعات لتعرفها من قبل ، لذلك  وبما أن جرائم الحاسب الآلي تتميز بخصائص فنية وتقنية معقدة سواء بالنسبة لمرتكبيها أو مكتشفيها أو حتى بالنسبة للموضوع الذي ترد علية فان  توفير الامكانات التقنية في التحقيق و الاستدلال عن هذه الجرائم سيكون أكثر حاجة فيها من غيرها من الجرائم .

إذن فما يزيد من صعوبة اكتشاف هذه الجرائم هو قلة خبرة السلطات المختصة كون أغلب أفرادها من رجال الشرطة أو المختصين في التحقيق في جرائم الحاسوب من غير ذوي الخبرة والمعرفة التقنية تنحصر معلوماتهم في جرائم قانون العقوبات التقليدية من قتل وسرقة وغيره ولا يمكن لهؤلاء بمفردهم التعامل مع جرائم الحاسوب لأنها غالبا ما تكون عالية المستوى بالنسبة لمستواهم من الخبرة والتخصص ، لذلك وفي سبيل تذليل هذه الصعوبات يستلزم الأمر استقطاب وجذب الكفاءات المهنية المتخصصة في الحاسب الآلي للاستعانة بهم في التحقيق في هذه الجرائم وضبطها واكتشافها وتقديم أدلة الإدانة فيها وتولي شرح هذه الأدلة وأبعادها أمام المحاكم . وهذا هو فعلا ما قامت به معظم دول أوربا حيث أصبح لها فرقا متخصصة لمكافحة  هذه الجرائم تظم رجال الشرطة والقانونيين إلى جانب المهندسين والمختصين بالحاسب الآلي وهو أيضا ما قامت به الشرطة الدولية المعروفة با لانتروبول حيث أنشأت لجنة لمكافحة جرائم الحاسب الآلي تمارس اختصاصها عن طريق شبكة تربط فرق مكافحة هذه الجرائم في عدة دول لتبادل المعلومات فيما بينها عن وسائل الاحتيال بواسطة الحاسب الآلي وطرق كشفها إلى جانب تبنيها لتنظيم دورا ت تدريبية متخصصة حول كيفية اكتشاف الجرائم المعلوماتية وتعزيز الإجراءات الأمنية الخاصة بها .

أخيرا لابد من القول أن ما يزيد  من صعوبة اكتشاف جرائم الحاسب الآلي هو التكتم  عليها  من قبل الجهات المجني عليها التي غالبا ما تكون أما مصرفا , أو مؤسسة مالية   أو شركة  أو مشروعا صناعيا ضخما , يتكلم  على مثل هذه الجرائم  إن تعرض لها فلا يتولى الإبلاغ عنها فيما  لو تعرض لأي من تلك الجرائم  و السبب أن هذه المؤسسات  والشركات المالية والصناعية والخاصة  تهتم بالمحافظة على ثقة العملاء وعدم اهتزاز الثقة أكثر من اهتمامه بالكشف عن الجريمة والإعلان عنها فيما لو تم اكتشافها , فهم غالبا ما  يلجئون إلى كتم ذلك عن السلطات المسئولة  ولذلك يفضل هؤلاء الترضية المالية لعملائهم حتى لا يفقدوهم  ولا تتأثر سمعتهم المالية بدلا من البحث عن الجناة فهذه المؤسسات لا تكتفي في إطار ذلك بالإحجام عن الإبلاغ عن مثل  هذه الجرائم  إن تعرضت لها خشية على سمعتها , واحتمال اهتزاز الثقة بها من قبل عملائها , إنما إلى جانب ذلك تلجا إلى الترضية الودية فيما بينها  وبين الجناة أحيانا.

ولذلك  فهي لا تقف عند حد الامتناع عن الإبلاغ عن الجرائم  إنما يمتد الأمر إلى أنها تمتنع عن تقديم الأدلة أو تقديم أي مساعدة للجهات التحقيقية إن وقعت  وقد علمت بها السلطة الأمر الذي يشكل صعوبة أمام الجهات ليس في اكتشافها فحسب بل وفي إثباتها أيضا والواقع العملي يكشف عن الكثير من حالات عدم  تعاون المجني عليهم في مثل هذه الجرائم ولا يعود السبب في عدم تعاون تلك الجهات إلى ما تقدم  من أسباب بل ويعود أيضا   إلى  أسلوب اكتشافها  إذ غالبا ما يتم اكتشاف هذه الجرائم بعد مضي فترة طويلة نسبيا على  ارتكابها إلى جانب أن الصدفة غالبا ما تكون السبيل إلى اكتشافها  , وكما تبين  لنا  ذلك من خلال الدراسات  التي أجريت في بلدان مختلفة  مما يشكل  نقطة  ضعف  على  الأنظمة الرقابية الداخلية التي  تتبعها  تلك الــمؤســسات  و مما يشكل  عاملا آخر  يهدد بناء هذه المؤسسات .