الهجرة … من ويندوز إلى لينوكس / الجزء الثالث

تحدثنا في المقالة اﻷولى والمقالة الثانية عن أهم ميزات اللينوكس بالنسبة للمستخدم العادي, المقالة اﻷولى كانت عن سهولة اﻻستخدام والمقالة الثانية عن الناحية الجمالية والغرافيكية للينوكس, أما في المقالة القادمة واﻷخيرة سنتعمق قليلأً لنتحدث عن المزيد من الميزات ونتحدث عن التوزيعات وأشياء أخرى. أما في هذه المقالة فسنأخذ استراحة لن نتحدث فيها عن الميزات التي يقدمها لينوكس بشكل خاص بل سنتحدث عن (لماذا) يتميز اللينوكس و(كيف) يستطيع تقديم كل هذه الميزات وهذا الثبات. من الجيد أن تعرف ميزات نظام لينوكس لكن من الجيد أيضاً أن تعلم كيف يعمل من الداخل وما الذي يميزه هندسياً عن الويندوز. الجميع يعرف أنه أكثر ثباتاً, أكثر سرعة, عالي اﻷداء جداً حتى على اﻷجهزة الضعيفة لكن لماذا؟ هذا ما سنعرفه فوراً.
تنقسم أنظمة التشغيل من ناحية التصميم إلى نوعين: Monolithic و Modular.
ويندوز هو نظام Monolithic أو أحادي التصميم, وباختصار فإن النظام اﻷحادي يعني (دمج عدد كبير جداً من الميزات features , والخدمات services. ماذا يعني هذا؟ في لب النظام الرئيسي)
هل تعلم أنك عندما تقوم بتشغيل نظام المساعدة في ويندوز, برنامج الآوتلوك, أو مستكشف الملفات أو غيرها من البرامج فإنك تقوم في الواقع بتشغيل برنامج انترنت اكسبلورر دون أن تدري؟ هل عرفت اﻵن لماذا يؤدي جمود برنامج انترنت اكسبلورر إلى جمود النظام بأكمله؟
ضربتُ هذا المثال لأنه سهل التناول, لكن تخيل وجود مئات البرامج والخدمات المرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً بحيث أن أي عطل أو خطأ يحدث في خدمة من الخدمات سوف يؤثر في سلسلة من الخدمات المرتبطة ويسبب أخطاءاً في خدمات أخرى قد ﻻ يكون لها علاقة بالخدمة اﻷساسية المتضررة.

أما بالنسبة للأنظمة الـ Modular فالوضع هو التالي:
تخيل النظام مؤلفاً من ثلاث طبقات, اﻷولى تأتي في المركز, الثانية أكبر من اﻷولى وتحتويها داخلها, والثالثة أكبر من اﻻثنتين وتحتويهما داخلها أيضاً. بالنسبة للمستخدم فإنه ﻻ يرى وﻻ يتعامل إلا مع الطبقة الكبرى الخارجية, هذه هي الطبقة التي تقوم بتشغيل البرامج عليها, كبرنامج لمعالجة النصوص على سبيل المثال. إن معظم الخصائص التي تحتاجها برامج معالجة النصوص تقوم بطلبها من الطبقة الثانية, كالقدرة على تنسيق النصوص أو معالجة الصور. لكن هذه الطبقة الثانية ﻻ تستطيع الوصول إلى أماكن حساسة في النظام بشكل مباشر. بل عليها طلب الإذن من الطبقة الداخلية كي تقوم بعملها. الطبقة الداخلية هي الطبقة اﻷهم, ولهذا فلديها وصول إلى الجميع المناطق الحساسة من النظام. هذه الطبقة تقوم بالتحكم بالقرص الصلب, الذاكرة, والعديد من اﻷشياء اﻷخرى ويطلق عليها اسم الكيرنيل Kernel.
لهذا, فإن حدوث خطأ في معالجة الصورة لن يكون له تأثير شامل على كمبيوترك وذلك لأن عمليات معالجة الصورة ليس لها وصول إلى اﻷجزاء الحساسة من النظام. ولهذا إذا قام المستخدم بفتح صورة هي عبارة عن فيروس متنكر بشكل صورة فهذا لن يؤدي إلى أي ضرر بالنسبة للنظام كون الجزء المتعلق بمعالجة الصور في النظام يقع خارج الطبقة الداخلية و ﻻ يملك وصولا مباشراً إلى لب النظام وبالتالي ﻻ يملك وصولا إلى اﻷماكن الحساسة كالقرص الصلب او الذاكرة وغيرها,

وهذه هي مشكلة الويندوز اﻷساسية أنه ﻻ يقوم بفصل الميزات الموجودة إلى طبقات, بل يقوم بحشر كمية كبيرة جدا من الخدمات في لب النظام وبالتالي فإن أي خلل في خدمة من تلك الخدمات سيكون له تأثير مباشر على الخدمات اﻷخرى,
إن معظم الفيروسات والملفات المؤذية تعتمد على ثغرات موجودة في برامج كاﻻنترنت اكسبلورر وآوتلوك لأن من يقف وراء الملفات المؤذية يعرف أنه لو تمكن من إيجاد ثغرة في انترنت اكسبلورر فهي كفيلة بتدمير النظام بشكل كامل. أما لو (نقول لو) اكتشف أحدٌ ما ثغرة في فايرفوكس على نظام لينوكس فإن جل ما يستطيع عمله هو تخريب برنامج الفايرفوكس فقط ولن يتأثر النظام ﻻ من قريب وﻻ من بعيد بهذه الثغرة.
من مساوىء اﻷنظمة أحادية التصميم كويندوز أن تطوير النظام وإصدار نسخة جديدة منه هو أمرٌ ﻻ يمكن أن يمر بسلام, فعلى الرغم من الوقت الطويل نسبياً بين كل إصدارة ويندوز والتي تليها وعلى الرغم أن هذا الوقت (عدة سنوات) يجب أن يكون كافياً بالنسبة لمايكروسوفت كي تجري اﻻختبارات اللازمة التي تؤكد خلو النظام من اﻷخطاء, بالرغم من هذا يعرف الجميع ما الذي حدث معه عندما انتقل من ويندوز 98 إلى اكس بي, أو من اكس بي إلى فيستا. ﻻ بد من العديد من الرقع patches التي تصدر على التتالي من شركة مايكروسوفت من أجل سد ثغرة هنا وتصحيح خطأ هناك. إن الحاجة الدائمة في ويندوز للرقع أو الباتشات هي أيضاً بسبب تصميم النظام. النظام اﻷحادي monolithic كويندوز هو نظام غير مستقر بطبيعته وذلك لأنك عندما تصمم نظاماً تعتمد أجزاؤه بشدة على بعضها فهذا يعني بأن تحديث أو تعديل أي جزء من اﻷجزاء قد يكون له نتائج غير متوقعة على أجزاء كثيرة غير متوقعة! لهذا غالباً ما يقوم تحديث صغير لويندوز بتخريب أجزاء أخرى, فتضطر لإصلاح تلك اﻷجزاء اﻷخرى, وهكذا دواليك.

تصميم اللينوكس أيضاً هو السبب في عدم الحاجة لإقلاع النظام, في لينوكس ﻻ يوجد أي سبب يدعوك لإعادة إقلاع جهازك إلا في حالة واحدة وهي أثناء تحديث الـ kernel, أما تنزيل البرامج أو تحديثات البرامج وتحديثات النظام فلا حاجة أبداً لإعادة التشغيل. في حال توقفت أي خدمة أو أي برنامج عن العمل لأي سبب من اﻷسباب, كل ما عليك فعله هو إعادة تشغيل تلك الخدمة أو هذا البرنامج فقط.
إن ثبات اللينوكس وعدم الحاجة لإعادة تشغيله جعلته النظام اﻷمثل للمخدّمات أيضاً لهذا السبب يسيطر نظام اللينوكس على سوق السيرفرات واستضافة المواقع فهو يقدم الحل اﻷرخص واﻷكثر ثباتاً.

إن التصميم القوي لنظام اللينوكس ﻻ تقتصر فوائده على الثبات وقلة الأخطاء فقط, بل لها تأثير مباشر أيضا على سرعة عمل النظام, وعدم حاجته لمتطلبات هاردوير عالية, وعلى قابليته للتحديث والتطوير وتتبع الأخطاء والثغرات بشكل عالي. إن بعض توزيعات اللينوكس تُصدر نسخة حديثة من التوزيعة كل ستة أشهر!
كما أن التصميم الذكي للنظام له أحد أكبر الفوائد وهي قابلية النظام للتخصيص customization لهذا ترى الكثير والكثير من توزيعات اللينوكس وكل منها متخصص باتجاه معين, مئات التوزيعات منها ما هو متخصص للمخدمات ومنها ما هو مخصص للمستخدم العادي ومنها ما هو مخصص للمطورين أو المبرمجين … إلخ. حتى أنه توجد توزيعات مخصصة كي تضعها على الفلاش ميموري flash memory وتقلع عن طريقها وأهم تلك التوزيعات هي توزيعة Damn Small Linux التي ﻻ يتجاوز حجمها الـ 50 ميغا! تستطيع أن تحملها معك أينما ذهبت على قرص ليزري أو فلاش ميموري وسوف تتفاجأ ما الذي ستستطيع فعله بهذه التوزيعة التي ﻻ تتجاوز الـ 50 ميغا لكنها تقدم لك في نفس الوقت سطح مكتب بكامل المواصفات مع برنامج الـ Open Office و متصفح FireFox والكثير من البرامج اﻷخرى.

في المقالة القادمة واﻷخيرة سنتحدث عن أهم توزيعات اللينوكس الخاصة بالمستخدم العادي وعن النسخة التي أفضلها وميزاتها وسنتحدث عن ما هي أفضل وأسرع طريقة كي تتعلّم العمل على النظام وتستخدمه بمنتهى السلاسة خلال بضعة أيام ﻻ أكثر.