«أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ، وَعَلِيٌّ بَابُهَا» هو باب مدينة العلم كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو سيدنا الحسن وسيدنا الحسين وسيدتنا زينب عليهم السلام.
– ولادته وأسرته:
ولد سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد ثلاثين سنة من حادثة الفيل، ولدته أمه السيدة فاطمة بنت أسدٍ في جوف الكعبة، وأما أبوه فهو أبو طالب الذي ورث سيادة قريش بعد أبيه عبد المطلب.
– نشأته وحياته قبل وبعد الإسلام:
نشأ سيدنا علي كرم الله وجهه في مكة، وفي خير بيتٍ فيها، بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فتربَّى في حجره الشريف، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تولَّى كفالته؛ مساعدةً لعمِّه أبي طالبٍ وردًّا لجميله؛ حيث كان أبو طالبٍ يكفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل، فكان سيدنا عليٌّ رضي الله عنه من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أحبِّ النَّاس لقلبه الشريف؛ ولأجل هذه النشأة المباركة لم يُرَ سيدنا عليٌّ يسجد لصنمٍ قطُّ قبل الإسلام؛ ولذلك كان عليٌّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أولَ من أسلم وهو صبيُّ صغيرُ، ابن عشر سنين، ومِن سعادة سيدنا عليٍّ ابن أبي طالب رضي الله عنه أنْ أكرمه الله بشرف زواجه من سيدةِ نساء العالمين، السَّيدةِ فاطمة الزهراء عليها السلام، بنتِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصار أبًا لبنيها الحسن والحسين وزينب عليهم السَّلام.
وقد كانت قصةُ زواجهما أنَّ امرأةً جاءت لسيدنا عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه وقالت: هل علمت أنَّ فاطمة تُخطب؟ وقالت: فاخطِبْها، قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قلت: وَهَلْ عِنْدِي شَيْءٌ أَخْطُبُهَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَوَاللهِ مَا زَالَتْ تُرَجِّينِي حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَكُنَّا نُجِلُّهُ وَنُعَظِّمُهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ أُلْجِمْتُ حَتَّى مَا اسْتَطَعْتُ الْكَلَامَ، قَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ»، فَسَكَتُّ، فَقَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ: «لَعَلَّكَ جِئْتَ تَخْطُبُ فَاطِمَةَ»، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تَسْتَحِلُّهَا بِهِ» -أي: مهر-، قَالَ: قُلْتُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَمَا فَعَلْتَ بِالدِّرْعِ الَّتِي كُنْتُ سَلَّحْتُكَهَا». قَالَ: عَلِيٌّ وَاللهِ إِنَّهَا لَدِرْعٌ حُطَمِيَّةٌ مَا ثَمَنُهَا إِلَّا أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، قَالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا وَابْعَثْ بِهَا إِلَيْهَا».
– مواقف وبطولات:
بدأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه طريق البطولة مبكرًا؛ فأول ما تُحدثنا به كتب السيرة: أن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أول من شرى نفسه في سبيل الله، ووقى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ففي ليلة الهجرة المباركة أتى جبريلُ عليه السلام رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمع على بابه المشركون لتنفيذ خطتهم المجرمة بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: نَمْ على فراشي وتغطى ببردي الأخضر، فَنَمْ فيه، فإنَّه لن يصل إليك شيء تكرهه منهم.
وفي غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان الفارس المغوار، والبطل الكرار، الذي لا يشقُّ له غبار، شارك في معظم غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي غزوة خيبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، لَيْسَ بِفَرَّارٍ» ،فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليًّا رضوان الله عليه، وهو يشكو من عينه، فنفخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عينه فبرأت، ثم قال له: «خُذْ هَذِهِ الرَّايَةَ فَامْضِ بِهَا حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ».
في هذا اليوم رأى المسلمون كرامةً لسيدنا عليٍ رضي الله عنه تدل على تأييد الله له وللمسلمين؛ أنه لما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود، فطرح درعه من يده فخلع علي أحد أبواب الحصن فجعله درعًا له!، فلم يزل في يده وهو يقاتل، حتى فتح الله تعالى عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، يقول أحد الصحابة الذين كانوا معه: فلقد رأيتني في نفرٍ سبعةٍ أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه!
عاش سيدنا علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجاهدًا في سبيل الله، وبعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تولى مهام القضاء والفتوى في عهد الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين واشتهر بين الصحابة بعلمه لكتاب الله وفهمه الدقيق الثاقب، وكان مما أُثر عن سيدنا عمر رضي الله عنه قوله: ” اللهم إني أعوذ بك من معضلة ليس لها أبو الحسن”، يعني سيدنا علي كرم الله وجهه.
– خلافة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه واستشهاده:
تولى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخلافة بعد فاجعة مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه سنة 35هـ، وقد كان لمقتل الخليفة الثالث وقع كبير على مسيرة عهد خلافة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ حيث لم يمضِ وقتٌ قليلٌ على مبايعته رضي الله عنه بالخلافة من قِبَلِ أهلِ المدينةِ المنوَّرَةِ حتى رفض عددٌ من الصحابة مبايعته، حتى يتم القبض على قتلة عثمان رضي الله عنه للقصاص منهم، لكن الإمام علي بن أبي طالب كان يرى أنَّ ذلك لا يكون إلا بعد استقرار الأمور؛ ليحدث تحقيق قضائي يُمَكِّن من معرفة الجناة، وبالتالي فالتسرع في مثل ذلك لا يؤدي للوصول للحقيقة بل قد يزيدها، وكأن الإمام علي بن أبي طالب كان يرى تقديم الحقِّ العامِّ -وهو استقرار الدولة واستتباب الأمن-، على الحقِّ الخاص -وهو القصاص لسيدنا عثمان رضي الله عنه-، وحاول جمعٌ من الصحابة الصلح بين الفريقين وبعد أن كاد يحصل الصلح أسرع المتآمرون ورؤوس الفتنة إلى الوقيعة بين الفريقين؛ بأن قتلوا من جيش سيدنا علي ليلًا، وفي نفس الوقت قتلوا من جيش أهل الشام، ثم تنادوا بينهم بالخيانة لتحصل واقعة مؤسفة بين الفريقين وسميت بموقعة الجمل، وبعد ذلك حدثت واقعة التحكيم بين الفريقين؛ لأجل الصلح وعند ذلك ظهرت فرقة الخوارج الذين كفَّروا سيدنا عليًّا كرم الله وجهه، فقاتلهم الإمام عليٌ رضي الله عنه بعد أن أرسل لهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه لنصحهم، ولما أصرَّ باقيهم على العناد قاتلهم في النهروان، وسيدنا علي رضي الله عنه في كل ذلك يصر على نصرة الحقِّ الذي تعلمه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويريد أن يحفظ هيبة الدولة الإسلامية من تسلط دعاة الفوضى، ويُرجع وَحدة الأمة لما كانت عليه ،لكن -وكان أمر الله قدرًا مقدورًا- تسلل أحد الخوارج المجرمين اسمه عبد الرحمن بن ملجم تسلل وقلبه يمتلأ غيظًا وحقدًا على سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليلة السابع عشر من شهر رمضان المعظم، سنة أربعين من الهجرة، وضرب سيدنا عليَّا على رأسه وهو يستعد للذهاب لصلاة الفجر، أملًا في الفوز برضا امرأةٍ من الخوارج، وعدته أن تتم زواجها منه إذا نجح في خطته في قتل أمير المؤمنين، فقتله ليخسر الدنيا والآخرة.
ويلحق الإمامُ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بسائر الخلفاء الراشدين المهديين في جنات النعيم مع سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وآله وسلم، ويتردَّدُ في أسماع المؤمنين حديثُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخاطب سيدنا علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قائلًا: «لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ».