يا أيها السائر والمسافر.. إننا نبحث دوما عن بداية، فاجعله كذلك وارجُ من ربك..

إننا نبحث عن يوم يكون لنا خير يوم منذ الولادة، ولن يكون ذلك اليوم إلا اليوم الذي تضع فيه عن نفسك الأثقال والأحمال التي حملْتها من الذنوب، وتتطهر فيه من نجاسات الذنوب التي علقت بقلبك؛ فيغسلك الله منها ويطهرك، ويباعد بينك وبينها، ويزيل عنك أثرها بالماء والثلج والبرَد.

كان بعضهم يقول (اللهم أذقني برْد عفوك وحلاوة مغفرتك)، فالذنوب نار تحرق القلب تحتاج الى برد ليسكن ذلك القلب المحترق والضعيف.

عندما تمر على مزابل الدنيا فيفوح نتنها؛ فتمهل فإن ما نحمله من الذنوب أشد نتنا وقبحا بكثير.. ولو كان للذنوب رائحة لما تعاشر الناس.

لما قال تعالى (فعصى آدم ربه فغوى) فكان التعقيب بالفاء لتوالي الأحداث، لكن عند التوبة قال (ثم) (اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) فعقب بـ (ثم) وذلك لأن التوبة ليست ادعاء باللسان بل هي حالة من الندم الذي يخلف كل موضع شهوة من القلب، فتبقى حسرة الفوات وندم الوقوع في المخالفة في كل محل كانت فيه شهوة محرمة فينتفي عن القلب معصيته ويبقى الندم يخلف محل المعصية ويحل محل لذة الشهوة المحرمة؛ فيستعيد المرء قلبه ويلم شعثه ويجمع متفرقه ويصلح خلله ويداوي جرحه ويلتئم عليه.. وعندما يطْهر ويخلُص لربه تعالى ويسعى اليه بقلب سليم يصلُح حينها لمجاورة القدُس والولوج على الله والفوز بالقُرب.

لمّا ذكر تعالى خلق الإنسان وبدايته، وحمله للأمانة ذكر ظلمه وجهالته  {وحمَلها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} ولكنه تعالى ذكر عقبها غاية العبد من وراء ذلك وآخر مسعاه فذكر التوبة {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات، وكان الله غفورا رحيما} .

كم من خير فاتك بسبب معصية التفتّ اليها أو لم تلتفت، وكم من الهم أو الحزن أصابك بسبب معصية قد لا تلقي لها بالا، وكم من علم نُسي أو وحشة في القلب حدثت أو قسوة حالت أو مصاب أصابك أو وهن في قوتك أو ضعف في بصيرتك، أو لذة عبادة فقدتها أو عمر فاتك في غير منفعة.. كل هذا بسبب ذنب حدث أو معصية اقتحمتها..

في يوم عرفة يطلب الناس النجاة؛ هم القتلى والقتلة، هم الجناة والضحايا، إنهم يطلبون الحياة فاطلبها معهم لعلك تلحق بالقوم وإن باعدت بيننا وبينهم خطى..

لك طبع وشهوة، وسمات وقسمات، حددت ملامحك ورسمت شخصيتك، ولكن للشرع أمر ونهي وخلُق وقيم وشخصية يخرجها، فاخرج من طبعك ومقتضيات هواك وشخصيتك وانتقل من ولادة المشيمة الى ولادة الوحي، وساعتها ستكون حيا من جديد وشخص جديد يطرق الحياة.. {أوَمن كان ميتا فأحييناه} …. فتصلح لمجاورة الرب في الجنة وصحبة أنبيائه وأوليائه..

يا أيها السائر والمسافر.. إننا نبحث دوما عن بداية، فاجعله كذلك وارجُ من ربك..