كيف واكبت الترجمة الفورية جائحة كورونا؟

 

لا شك أن جائحة كورونا أخذت العالم على حين غرة، وهو ما عمق أثرها السلبي على كل المهن تقريبا. ومع أن الناس أصيبوا بالارتباك والإحباط في آن واحد، فإن إطالة أمد الجائحة دفعتهم إلى التفكير في المخارج، فكثير من المهن استطاعت أن تتجاوز النقمة وتحولها إلى نعمة، من باب تحويل التحديات إلى فرص.

سنتعرض في هذه المدونة إلى الصدمة التي أصابت المترجمين الفوريين في الأشهر الأولى من جائحة كورونا، ودخول المنصات الرقمية وأثرها السلبي على الجيل القديم من المترجمين الفوريين. ونتعرض أيضا إلى أهم تحديات المنصات الافتراضية، ونختم بالحديث عن تحول النقمة إلى نعمة بالنسبة للمترجمين الفوريين ومنظمي الفعاليات، على حد سواء.

 

 

ونقصد بالمترجمين الفوريين أصحاب العمل الحر الذين لا يرتبطون وظيفيا بأي جهة. لقد أثرت الجائحة في الأشهر الأولى تأثيراً كبيراً على هؤلاء، إذ توقفت أعمالهم تماما مع الإغلاق الكامل ولزموا بيوتهم. وتعتمد مهنة الترجمة الفورية على السفر في غالب الأحيان، إلا إذا كانت الفعالية تقام في المدينة التي يسكن فيها المترجم، ومع حظر التجمعات وتوقف الفعاليات بكل أنواعها والإعلان عن إلغاء كل الفعاليات المجدولة طوال السنة، أظلمت الدنيا في وجه المترجمين الفوريين؛ فقد أوردت الجمعية الكندية للمعايير المعروفة اختصارا بـ”سي إس إيه” (CSA) في دراسة أجرتها أن 55% من المترجمين الفوريين أكدوا انخفاض عملهم بصورة عامة.

كذلك لم يكن لمنظمي الفعاليات أن يقفوا مكتوفي الأيدي، بينما هناك أمور تتطلب قرارات، وخاصة عند المنظمات الإنسانية والإقليمية والشركات الكبرى والجمعيات، وما إلى ذلك، فبحثوا عن منصات يلتقون فيها، كمنصة “زوم” (ZOOM) التي كانت موجودة قبل الجائحة، وهي منصة افتراضية قليل من الناس كانوا يهتمون بها لعقد اجتماعاتهم.

غير أن منصة زوم التي كانت مخصصة فقط للاجتماعات الافتراضية أجري عليها تطوير لتسمح بقناة للترجمة الفورية، ومن هنا بدأ مشوار الترجمة الفورية، مع الإدراك المتسارع من المنظمات والشركات والمؤسسات المختلفة لأهمية مواصلة أنشطتها، بعد استمرار فترة الإغلاق لفترات لم تكن متوقعة.

هناك منصات أخرى دخلت على الخط، وهي أكثر تطورا من منصة زوم، لأنها مصممة أصلا للترجمة الفورية عن بعد، أهمها “كود” (KUDO) و”إنتربريفي” (Interprefy) و”ميكروسوفت تيمز (Microsoft Teams) وغيرها، وهي منصات تتميز عن زوم بأن المترجم يستطيع أن يتواصل مع زميله لتبادل الأدوار، ويستطيع أن يسمع زميله، بل والأهم من ذلك أن يأخذ من اللغات الأخرى، فمثلا لو أن المترجم يترجم من الإنجليزية إلى العربية والعكس وكانت لغة المنصة هي اللغة البرتغالية فبإمكانه أخذ اللغة الإنجليزية من الزميل الذي يترجم من البرتغالية إلى الإنجليزية، وهكذا. وهذه الميزة غير متوفرة حتى الآن في منصة زوم مع أنها أكثر شهرة وأوسع استخداما.

 

 

إن هذه التحولات في مجال الترجمة الفورية أثرت تأثيرا سلبيا على كبار المترجمين الذين أخفقوا في التعامل مع التكنولوجيا، فآثر البعض منهم الانسحاب تماما من الميدان، ومثال ذلك زميل لي يغطي فعاليات السوق المشتركة لدول شرق أفريقيا والجنوب الأفريقي المعروفة اختصارا بـ”كوميسا” (COMESA)، فضّل الانسحاب من الترجمة الفورية عن بعد، وقد سمعتُ عن حالات كثيرة من الزملاء الذين آثروا الانسحاب حفاظا على “ماء وجههم”!

ويرجع السبب وراء انسحاب قدامى المترجمين إلى بعض التحديات التي تواجه المترجمين الفوريين في هذه المنصات الرقمية، فمنصة زوم مثلا تتطلب استخدام جهازين في وقت واحد، أو على الأصح 3 أجهزة، بحيث يكون هناك جهاز رئيسي متصل بالمنصة يكون فيها المترجم بصفته، وهناك جهاز آخر يتصل بالمنصة يكون فيها المترجم مشاركا ليسمع اللغة الأخرى إذا كان المتحدث يتحدث بلغة هو لا يفهمها، والجهاز الآخر هو الهاتف الجوال يستطيع المترجم من خلاله التواصل مع زميله لتبادل الأدوار، وهذه الأجهزة مطلوبة فقط في حالة استخدام زوم لأنها الأكثر انتشارا، أما المنصات الأخرى فلا حاجة لكل هذه الأجهزة، وإنما يكفي جهاز واحد فقط.

 

أما التحديات الفنية الأخرى التي تواجه المترجمين في المنصات الرقمية تتمثل في أن الصوت من المصدر قد لا يكون واضحا، أو قد يتقطع بسبب ضعف الشبكة، فضلا عن أن المتحدثين يتحدثون بلكنات مختلفة قد لا يكون المترجم الفوري معتادا عليها، أو يتحدثون بطريقة أسرع من مواكبة حركة الشفاه، وبالإضافة إلى ذلك قد يحصل ارتباك في المواقيت الزمانية المختلفة، وكل هذه العوامل تلقي على المترجمين الفوريين مزيدا من العبء لمواكبة التحول إلى المنصات الرقمية، ولحسن الحظ أدركت كثير من الدول أهمية الإنترنت في الاقتصاد الوطني، فاستثمرت فيه كثيرا، وهو ما ساعد على إزالة العديد من العقبات الفنية المذكورة.
ومع استمرار الإغلاق واستطالة أمد الجائحة أصبحت الاجتماعات الافتراضية اليوم أكثر رواجا من ذي قبل، إذ أدرك الناس أهميتها من منظور تقليل التكلفة، كتكلفة تذاكر الطيران وحجوزات الفنادق والنثريات وما إلى ذلك، في الوقت الذي لا تكون النتيجة مختلفة، بل تكون الاجتماعات الافتراضية أفضل من الاجتماعات المباشرة من حيث تركيز المشاركين وقربهم من بعضهم البعض.

 

هذه المسألة انعكست إيجابا على مجال الترجمة الفورية، وعززت من قدرتها، ليس على المواكبة فحسب، وإنما أيضا على التطور وارتياد آفاق أرحب، حيث يمكن للمترجم أن يغطي الفعاليات في مناطق مختلفة من العالم قد لا تمكنه تعقيدات التأشيرات من الوصول إليها، فضلا عن أن المترجمين الفوريين أصبح بإمكانهم تغطية أكثر من فعالية في اليوم الواحد وفي مناطق زمنية مختلفة من العالم.

 

خلاصة القول إن جائحة كورونا ستشكل نقطة تحول تاريخية في مجال الترجمة الفورية عبر المنصات الرقمية، والسبب في ذلك أن الفعاليات الافتراضية ازدادت عما كانت عليه في الماضي بفضل قلة التكلفة وقوة الأثر، وما على المترجمين الفوريين إلا اكتساب المهارات اللازمة التي تمكنهم من التعامل مع تحديات المنصات الرقمية للترجمة الفورية.